يوسف المرعشلي

1604

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

1262 / 1846 مع السماح له بالاستمرار في مزاولة دروسه ، وأصبح العامل محمد خزنه دار يعتمد عليه في شؤونه الرسمية والخصوصية لما ظهرت عليه مواهب متعددة من أصالة رأي ، وبراعة في التحرير ، وباع طويل في الحسابيات . ففي سنة 1270 / 1854 لما قرّر المشير الأول أحمد باشا باي إرسال إعانة عسكرية للدولة العثمانية لحرب روسيا ببلاد القرم ، انتدب اللواء محمد خزنه دار للسفر إلى الآستانة لإعداد وسائل نقله الجيش التونسي وتموينه ، فسافر معه المترجم كاتبا له في تلك المأمورية ، وأقام بإستانبول من شوال 1270 ه إلى ربيع الأول سنة 1271 ه ، ولم يلبث محمد خزنه دار طويلا حتى عاد إلى إستانبول للقيام بمأمورية أخرى ، وذلك بعد موت المشير الأول وولاية المشير الثاني محمد باشا لطلب أمر الولاية ، فسافر معه المترجم في شوال 1272 ه ، ووقع تقليده في هذه المرة النيشان المجيدي ، وترقّى محمد خزنه دار إلى رتبة أمير أمراء بعد رجوعه ، وفي محرم من سنة 1273 / 1857 سمي عاملا على الأعراض وقائدا عامّا للمحلة العسكرية المهيئة لمقاومة الانتفاضة التي أثارها الفارس غومة المحمودي بعد فراره من سجنه بتركيا ، فكان المترجم رئيس كتاب المحلة ، وتقلّد هذه المسؤوليات لم يقطعه عن مواصلة طلب العلم ، وتخلّى عن هذه المسؤوليات سنة 1280 / 1864 للتفرّغ الكامل إلى طلب العلم إلى أن سمّي مدرّسا من الطبقة الثانية . وفي سنة 1286 / 1870 حصل شغور في خطة تدريس من الطبقة الأولى ، وكان للنظارة العلمية الحق القانوني في تسديد الشغور بتعيين من تراه إلا إذا اعترض أحد المرشحين على التعيين ، وطلب إجراء المناظرة بدلا من التعيين فإنه تقع إجابة طلبه ، وعيّن شيخ الإسلام محمد معاوية للخطة الشاغرة المدرّس من الطبقة الثانية الشيخ محمود بن مصطفى بيرم ، ولم يرض المترجم بهذا التعيين وطالب بإجراء المناظرة ، مخاطبا شيخ الإسلام محمد معاوية بأبيات لطيفة رقيقة وهي : أيا شيخ إسلام وقدوة أمة * مقامك أعلى من مديحي وأعظم هديتم إلى رشد فخذ قول منصف * « سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم » وإني على عليا لأثني مسلّما * ولست لمن قدمتموه أسلّم فأجريت المناظرة ، واجتازها بنجاح . وفي هذه السنة 1286 / 1870 عجزت الدولة التونسية عن خلاص ديونها ، وانتصبت اللجنة الدولية المختلطة لمراقبة الميزانية وتصفية الديون وهي المعروفة بالكوميسيون المالي ، وتولّى رئاستها الوزير المباشر خير الدين ، والوزير الأول مصطفى خزنه دار من أعضائها ، وانتخب المترجم منشئا في قسم العمل من الكوميسيون المالي لما عرف به من ضلاعة من المسائل المالية ، وما اشتهر به من استقامة وحزم وبعد مرور سنة رقي إلى وظيفة منشىء أول ، فتوطّدت الصلة بينه وبين الوزير خير الدين ، وصار يستعين بآرائه في مشاريعه الإصلاحية ويشترك فيها . ففي سنة 1291 / 1872 عيّنه عضوا في مجلس تنظيم الدروس بجامع الزيتونة ، وتأليف قانونه كما عيّنه عضوا في مجلس تأسيس المدرسة الصادقية وشارك في سائر القوانين التي أبرزها الوزير خير الدين . وفي سنة 1294 / 1875 عيّن عضوا في لجنة النظر في منح امتياز الخط الحديدي بين تونس والحدود الجزائرية ، ثم عضوا للجنة العليا للسكك الحديدية ، ثم عضوا في لجنة التحكيم في قضية الخلاف بين الكونت دي سانسي الفرنسي والدولة التونسية في هنشير سيدي ثابت . وفي سنة 1296 / 1877 سمّي عضوا في مجلس شورى الملك . ولما انحلّ الكومسيون المالي سنة 1300 / 1881 استمر عمدة الدولة التونسية في معضلاتها المالية فعيّن عضوا في لجنة التحكيم لمحاسبة الوزير مصطفى بن إسماعيل ، ووكيلا عن الدولة التونسية في محاسبة حميدة بن عياد ، وفي سنة 1310 / 1891 سمّي رئيسا لقلم الإنشاء بإدارة المال العامة . ولم تحل هذه المسؤوليات الضخام بينه وبين التدريس بجامع الزيتونة ، فأقرأ أمهات الكتب وأبان عن